بدر شاكر السياب

بدر شاكر السياب
جدتي لـ من أبث بعدك شكواي؟ طواني الأسى وقل معيني أنت يا من فتحت قلبك بالأمس لحبي أوصدت قبرك دوني فقليل على أن اذرف الدمع ويقضى على طول أنيني

السبت، مارس 17، 2012

سفر أيوب 7



البرد و هسهسة النار

و رماد المدفأة الرّمل

تطويه قوافل أفكاري

أنا وحدي يأكلني الليل

**

و يخب المركب إلى داري

برق يتلامح في الآفاق يعرّيها

و يذرّيها

كرماد المبخرة الثكلى

في مقبرة تهب الليلا

ألوان الموت و آهات الموتى

**

يا ليل لكم طال الدّرب

تعب الركب

و عراقي شط و سمّاري

ناموا و بقيت و لا زاد

عندي و ظمئت و لا ماء ظمئ القلب

لا سقيا غير شظيات البرق الواري

يا أغصان الليل انهمري ثمرا إذ يؤكل يزداد

السلة منه سأملأها حتى إن عدت إلى داري

فرح الأطفال به هتفوا بابا

يا برق أما تخبو

فيغيب الدرب و لا يبدو

كم منه على الساري بعد

**

البرد وهسهسة النار

و رماد المدفأة الرمل

تطويه قوافل أفكاري

أنا وحدي يأكلني الليل

السبت، مارس 10، 2012

سفر أيوب 6


خيال الجسد العاري

يطلّ عليّ محمولا على موج من النار

من المدفأة الحمراء ذاك الرحم الضاري
**

لكل تقلب من موجها خفق من القلب

تدحرج عرّي النهدان بان الجيد و الساق

تدحرج لي على الجنب

تدحرج ثم صكّ أضالعي و تثار أعراق

ويطفر للجبين دم و يعروني

دوار منه تصطكّ النواجذ خوف بحّار

يطلّ فيبصر التيّار يزفر مثل تنين

و يصرخ آدم المدفون فيّ رضيت بالعار

بطردي من جنان الخلد أركض إثر حوّاء

أريدك يا سرابا في خيالي ليس يسقيني

أريدك ثم تطوى موجة و تطير أشلاءا

فقاعات من النيران من شوق و تذكار
**

و جاء الجسد العاري

خيالا جاء محمولا على موج من النار

من المدفأة الحمراء ذاك الرحم الضاري
**

يميل عليّ كيف أشاء أعصره كما أهوى

و لا يقوى

على رفضي على تهديم عرش من لظى وار

أتوّج فوقه الآمال راعشة القوى شهوى

بحار بيننا ليلان من مدن و أمطار

و إنّك منك أقرب أنت بعض دمي

خيالي أنت أمنيات عمري كل أمنيّة

بعاطفتي تحرّك لا عواطفك الأنانّية

علام مددت بحرا بيننا دنيا جليديّة

أعانق في دجاها جسمك العاري

يطلّ عليّ محمولا على موج من النار

ممن المدفأة الحمراء من وهمي و أفكاري

الأحد، فبراير 19، 2012

سفر أيوب 5



من عصور جليديّة من قبور

نام فيها الهواء

أيها الثلج يا حشرجات الدهور

و انتحاب المساكين في كل كهف يغور

في جبال السنين

كن لهيبا على أوجه العابرين

قنّع الخوف فيها بلون الرجاء

**

أيّها الثلج رحماك إني غريب

في بلاد من البرد و الجوع سكرى

إن لي منزلا في العراق الحبيب

صبيتي فيه تعلك صخرا

آه لولاك يا داء ما عفت داري

ما تركت الزهور التي فتحت في جداري

و العصافير في ركن بيتي لهن اختصام

مر يوم فشهر فعام

**

و الزمان ارتماء بدون انتهاء

تزفر الأرض عنه و تبكي السماء

رب هل لي إلى منزلي من رجوع

كم أمد الذراع و أهدم سقف الضلوع

لا أمسّ المدى أو أصيب الزمانا

فهو شيء على الروح يسعى هباء و ظلمة

ليت عصر النبوّات لم يطو حلمه

وشت المعجزات الحواشي فكانت و كنا

**

ليتني العازر انفضّ عنه الحمام

يسلك الدرب عند الغروب

يتمهّل لا يقرع الباب من ذا يؤوب

من سراديب للموت عبر الظلام

لن تصدّق أنّي ستهوي يداها

عن رتاج و تصفرّ لي وجنتاها

ثم تركض مذعورة تشدّ بخيط الدروب

نحو قبري و تطويه حتى تمسّ الضريح الحطام

**

إيه إقبال لا تيأسي من رجوعي

هاتفا قبل أن أقرع الباب عادا

عازر من بلاد الدجى و الدموع

قبليني على جبهة صكّها الموت صكّا أليما

حدّقي في عيون شهدن الردى و المعادا

عدت لن أبرح الدار حتى لو أنّ النجوما

دحرجت سلّما من ضياء و قالت

تخطّ السديما

الخميس، فبراير 16، 2012

سفر أيوب 4

يا ربّ أيوب قد أعيا به الداء

في غربة دونما مال و لا سكن

يدعوك في الدّجن

يدعوك في ظلموت الموت أعباء

ناد الفؤاد بها فارحمه إن هتفا

يا منجيا فلك نوح مزّق السّدفا

عني أعدني إلى داري إلى وطني

**

أطفال أيّوب من يرعاهم الآنا

ضاعوا ضياع اليتامى في دجى شات

يا رب أرجع على أيوب ما كانا

جيكور و الشمس و الأطفال راكضة بين النخيلات

و زوجة تتمرّى و هي تبتسم

أو ترقب الباب تعدو كلّما قرعا

لعله رجعا

مشاءة دون عكّاز به القدم

**

في لندن الليل موّت نزعه السّهر

و البرد و الضّجر

و غربة في سواد القلب سوداء

يا ربّ يا ليت أنّي لي إلى وطني

عود لتلثمني بالشمس أجواء

منها تنفّست روحي طينها بدّني

و ماؤها الدم في الأعراق ينحدر

يا ليتني بي من في تربها قبروا

**

لأنه منك حلو عندي المرض

حاشا فلست على ما شئت أعترض

و المال ؟ رزق سيأتي منه موفور

هيهات أن يذكر الموتى وقد نهضوا

من رقدة الموت كم مص الدماء بها دود ومدّْ بساط

الثلج ديجور

إني سأشفى سأنسى كلّ ما جرحا

قلبي و عرّى عظامي فهي راعشة و الليل مقرور

و سوف أمشي إلى جيكور ذات ضحى.

الثلاثاء، فبراير 14، 2012

سفر أيوب 3



بعيدا عنك في جيكور عن بيتي و أطفالي

تشدّ مخالب الصّوان و الأسفلت و الضّجر

على قلبي تمزّق ما تبقّى فيه من وتر

يدندن يا سكون الليل يا أنشودة المطر

تشد مخالب المال

على بطني الذي ما مرّ فيه الزاد من دهر

عيون الجوع و الوحدة

نجومي في دجى صارعت بين وحوشه برده

و إن البرد أفظع لا كأنّ الجوع أفظع لا فإنّ الداء

يشلّ خطاي يربطها إلى دوّامة القدر

و لولا الداء صارعت الطوى و البرد و الظلماء

بعيدا عنك أشعر أنني قد ضعت في الزحمة

و بين نواجد الفولاذ تمضغ أضلعي لقمة

يمر بي الورى متراكضين كأن على سفر

فهل أستوقف الخطوات؟ أصرخ أيها الإنسان

أخي يا أنت يا قابيل خذ بيدي على الغمّة

أعني خفّف الآلام عني و اطرد الأحزان

و أين سواك من أدعوه بين مقابر الحجر

**

و لولا الداء ما فارقت دراي يا سنا داري

و أحلى ما لقيت على خريف العمر من ثمر

هنا لا طير في الأغصان تشدو غير أطيار

من الفولاذ تهدر أو تحمحم دونما خوف من المطر

و لا أزهار إلا خلف واجهة زجاجّية

يراح إلى المقابر و السجون بهنّ و المستشفيات

ألا ألا يا بائع الزهر

أعندك زهرة حيّة

أعندك زهرة مما يربّ القلب من حبّ و أهواء

أعندك وردة حمراء سقّتها شموس إستوائيّة

أأصرخ في شوارع لندن الصّماء هاتوا لي أحبائي

و لو أنى صرخت فمن يجيب صراخ منتحر

تمرّ عليه طول الليل آلاف من القطر؟

الأحد، فبراير 12، 2012

سفر أيوب 2

من خلل الثلج الذي تنثّه السماء

من خلل الضباب و المطر

ألمح عينيك تشعّان بلا انتهاء

شعاع كوكب يغيب ساعة السّحر

و تقطران الدمع في سكون

كأنّ أهدابها غصون

تنطف بالندى مع الصباح في الشتاء

من خلل الدّخان و المداخن الضخام

تمجّ من مغار قابيل على الدروب و الشّجر

ذرا من النجيع و الضّرام

أسمع غيلان يناديك من الظلام

من نومه اليتيم في خرائب الضجر

سمعت كيف دق بابنا القدر

فارتعشت على ارتجاف قرعة ضلوع

ورقرت دموع

فاختلس المسافر الوداع و انحدر
**

و قبلة بين فمي و خافقي تحار

كأنها التائه في القفار

كأنها الطائر إذ خرب عشه الرياح و المطر

لم يحوها خد لغيلان و لا جبين

ووجه غيلان الذي غاب عن المطار

و أنت إذ وقفت في المدى تلوّحين
**

إقبال إن في دمي لوجهك انتظار

و في يدي دم إليك شدّة الحنين

ليتك تقبلين

من خلل الثلج الذي تنثّه السماء

من خلل الضباب و المطر.

السبت، فبراير 11، 2012

سفر أيوب 1

لك الحمد مهما استطال البلاء

ومهما استبدّ الألم،

لك الحمد، إن الرزايا عطاء

وان المصيبات بعض الكرم.

ألم تُعطني أنت هذا الظلام

وأعطيتني أنت هذا السّحر؟

فهل تشكر الأرض قطر المطر

وتغضب إن لم يجدها الغمام؟

شهور طوال وهذي الجراح

تمزّق جنبي مثل المدى

ولا يهدأ الداء عند الصباح

ولا يمسح اللّيل أوجاعه بالردى.

ولكنّ أيّوب إن صاح صاح:

«لك الحمد، ان الرزايا ندى،

وإنّ الجراح هدايا الحبيب

أضمّ إلى الصّدر باقاتها

هداياك في خافقي لا تغيب،

هداياك مقبولة. هاتها

أشد جراحي وأهتف

بالعائدين:

«ألا فانظروا واحسدوني،

فهذى هدايا حبيبي

وإن مسّت النار حرّ الجبين

توهّمتُها قُبلة منك مجبولة من لهيب.

جميل هو السّهدُ أرعى سماك

بعينيّ حتى تغيب النجوم

ويلمس شبّاك داري سناك.

جميل هو الليل: أصداء بوم

وأبواق سيارة من بعيد

وآهاتُ مرضى، وأم تُعيد

أساطير آبائها للوليد.

وغابات ليل السُّهاد، الغيوم

تحجّبُ وجه السماء

وتجلوه تحت القمر.

وإن صاح أيوب كان النداء:

«لك الحمد يا رامياً بالقدر

ويا كاتباً، بعد ذاك، الشّفاء

الأربعاء، فبراير 08، 2012

غريب على الخليج



لريح تلهث بالهجيرة، كالجثام، على الأصيل
و على القلوع تظل تطوى أو تنشر للرحيل
زحم الخليج بهن مكتدحون جوابو بحار
من كل حاف نصف عاري.
و على الرمال ، على الخليج
جلس الغريب، يسرح البصر المحير في الخليج
و يهد أعمدة الضياء بما يصعد من نشيج:
أعلى من العباب يهدر رغوه و من الضجيج"
صوت تفجر في قرارة نفسي الثكلى: عراق،
كالمد يصعد، كالسحابة، كالدموع إلى العيون.
الريح تصرخ بي: عراق
و الموج يعول بي: عراق، عراق، ليس سوى عراق
البحر أوسع ما يكون و أنت أبعد ما يكون
و البحر دونك يا عراق

بالأمس حين مررت بالمقهى، سمعتك يا عراق..
وكنت دورة أسطوانه
هي دورة الأفلاك في عمري، تكور لي زمانه
في لحظتين من الأمان، و إن تكن فقدت مكانه.
هي وجه أمي في الظلام
وصوتها، يتزلقان مع الرؤى حتى أنام،
و هي النخيل أخاف منه إذا ادلهم مع الغروب
فاكتظ بالأشباح تخطف كل طفل لا يؤوب
من الدروب وهي المفلية العجوز وما توشوش عن (حزام).
وكيف شق القبر عنه أمام عفراء الجميلة
فاحتازها.. إلا جديله.
زهراء أنت.. أتذكرين
تنورنا الوهاج تزحمه أكف المصطلين؟
وحديث عمتي الخفيض عن الملوك الغابرين؟
ووراء باب كالقضاء
قد أوصدته على النساء
أيد تطاع بما تشاء، لأنها أيدي الرجال
كان الرجال يعربدون ويسمرون بلا كلال.
أفتذكرين؟ أتذكرين؟
سعداء كنا قانعين
بذلك القصص الحزين لأنه قصص النساء.
حشد من الحيوات و الأزمان، كنا عنفوانه.
كنا مداريه اللذين ينام بينهما كيانه.
أفليس ذاك سوى هباء؟
حلم ودورة أسطوانه؟
ان كان هذا كل ما يبقى فأين هو العزاء؟
أحببت فيك عراق روحي أو حببتك أنت فيه،
يا أنتما.. مصباح روحي أنتما.. و أتى المساء
و الليل أطبق، فلتشعا في دجاه فلا أتيه.
لو جئت في البلد الغريب إلى ما كمل اللقاء
الملتقى بك و العراق على يدي.. هو اللقاء
شوق يخض دمي إليه، كأن كل دمي اشتهاء
جوع إليه.. كجوع كل دم الغريق إلى الهواء
شوق الجنين إذا اشرأب من الظلام إلى الولاده
إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنون
أيخون إنسان بلاده؟
إن خان معنى أن يكون، فكيف يمكن أن يكون؟
الشمس أجمل في بلادي من سواها، و الظلام
حتى الظلام.. هناك أجمل، فهو يحتضن العراق.
واحسرتاه، متى أنام
فأحس أن على الوساده
ليلك الصيفي طلا فيه عطرك يا عراق؟
بين القرى المتهيبات خطاي و المدن الغريبة
غنيت تربتك الحبيبة،
وحملتها فأنا المسيح يجر في المنفى صليبه،
فسمعت وقع خطى الجياع تسير، تدمي من عثار
فتذر في عيني، منك ومن مناسمها، غبار.
ما زلت اضرب مترب القدمين أشعث، في الدروب
تحت الشموس الأجنبيه،
متخافق الأطمار، أبسط بالسؤال يدا نديه
صفراء من ذل و حمى : ذل شحاذ غريب
بين العيون الأجنبيه،
بين احتقار، و انتهار، و ازورار.. أو ( خطيه)
(و الموت أهون من (خطيه
من ذلك الإشفاق تعصره العيون الأجنبيه
قطرات ماء..معدنيه
فلتنطفئ، يا أنت، يا قطرات، يا دم ، يا.. نقود
يا ريح، يا إبرا تخيط لي الشراع، متى أعود
إلى العراق؟ متى أعود؟
يا لمعة الأمواج رنحهن مجداف يرود
بي الخليج، ويا كواكبه الكبيرة.. يا نقود.

ليت السفائن لا تقاظي راكبيها من سفار
أو ليت أن الأرض كالأفق العريض، بلا بحار
ما زلت أحسب يا نقود، أعدكن و استزيد،
ما زلت أنقض، يا نقود، بكن من مدد اغترابي
ما زلت أوقد بالتماعتكن نافذتي و بابي
في الضفة الأخرى هناك. فحدثيني يا نقود
متى أعود، متى أعود؟
أتراه يأزف، قبل موتي، ذلك اليوم السعيد؟
سأفيق في ذاك الصباح، و في السماء من السحاب
كسر، وفي النسمات برد مشبع بعطور آب،
و أزيح بالثوباء بقيا من نعاسي كالحجاب
من الحرير ، يشف عما لا يبين وما يبين:
عما نسيت وكدت لا أنسى، وشك في يقين.
ويضئ لي.. وأنا أمد يدي لألبس من ثيابي
ما كنت ابحث عنه في عتمات نفسي من جواب
لم يملأ الفرح الخفي شعاب نفسي كالضباب؟
اليوم.. و اندفق السرور علي يفجأني.. أعود

واحسرتاه.. فلن أعود إلى العراق
وهل يعود
من كان تعوزه النقود؟ وكيف تدخر النقود
و أنت تأكل إذ تجوع؟ و أنت تنفق ما تجود
به الكرام، على الطعام؟
لتبكين على العراق
فما لديك سوى الدموع
وسوى انتظارك، دون جدوى، للرياح وللقلوع.