بدر شاكر السياب

بدر شاكر السياب
جدتي لـ من أبث بعدك شكواي؟ طواني الأسى وقل معيني أنت يا من فتحت قلبك بالأمس لحبي أوصدت قبرك دوني فقليل على أن اذرف الدمع ويقضى على طول أنيني

السبت، يونيو 02، 2012

الباب تقرعه الرياح



الباب ما قرعته غير الريح في الليل العميق
الباب ما قرعته كفك
أين كفك و الطريق
ناء بحار بيننا مدن صحارى من ظلام
الريح تحمل لي صدى القبلات منها كالحريق
من نخلة يعدو إلى أخرى و يزهو في الغمام
الباب ما قرعته غير الريح
آه لعل روحا في الرياح
هامت تمر على المرافيء أو محطات القطار
لتسائل الغرباء عني عن غريب أمس راح
يمشي على قدمين و هو اليوم يزحف في انكسار
هي روح أمي هزها الحب العميق
حب الأمومة فهي تبكي
آه يا ولدي البعيد عن الديار
ويلاه كيف تعود وحدك لا دليل و لا رفيق
أماه ليتك لم تغيبي خلف سور من حجار
لا باب فيه لكي أدق و لا نوافذ في الجدار
كيف انطلقت على طريق لا يعود السائرون
من ظلمة صفراء فيه كأنها غسق البحار
كيف انطلقت بلا وداع فالصغار يولولون
يتراكضنون على الطريق و يفزعون فيرجعون
و يسائلون الليل عنك و هم لعودك في انتظار
الباب تقرعه الرياح لعل روحا منك زار
هذا الغريب هو ابنك السهران يحرقه الحنين
أماه ليتك ترجعين
شبحا و كيف أخاف منه و ما امحت رغم السنين
قسمات وجهك من خيالي
أين أنت أتسمعين
صرخات قلبي و هو يذبحه الحنين إلى العراق
الباب تقرعه الرياح تهب من أبد الفراق
من ليالي السهاد
1- ليلة في لندن
كما ينسل نور خائف من فرجة الباب
إلى الظلماء في غرفة
سمعت هتافه المجروح يعبر نحوي الشرفه
ليرفع من سماوة لندن الليل المطل بلونه الكابي
على الطرقات ترقد في دثار الثلج ملتفه
و أمس سمعت في إيران صوت الديك في الفجر
و من أفق المنائر في الكويت وزرقه البحر
أهاب فرش جفني بالنعاس ( رنين أكواب
بماء البصرة الرقراق تملأ ثم تسقيني )
نداء راح ينثره المؤذن أطفيء الفانوس رف ضياؤه رفه
وبعثره الظلام
و ليلي الأواه في بيروت يحييني
لأبصر فيه وجه الموت راح يذيبه نبع من اللهفه
تدفق من فؤاد البلبل المسكوب بين غصون لبلاب
ليال من عذاب من سنام لست أنساها
غريبا كنت حتى حين أحلم لست في جيكور
و لا بغداد أمشي في صحارى قلبي المسعور
يريد الماء فيها ماء أين الماء و هي تريه أفواها
على آفاقها الربداء ظمآى تشرب الديجور
فلا تروى أأقصى العمر في صحراء في ليل من العطش
أفتش عن عيون الماء عن إشراقه الغبش
كأعمى نال منه السكر صاح ورفرفت كفاه بين مساند الماخور
ليبحث عن رفيق أين جاري أين داري أين أواها
أميرتي التي كانت تناولني كؤوس النور
فيبصر قلبي الدنيا و يلقاها
كأن الصبح أشرق في العراق و تعبر الرؤيا
بحارا بي و تطوي ألف درب في الدجى تاها
تراجع عالم و أطل ثان عالم يحيا
على الأقمار تولد ثم تكمل ثم تندثر
و ما لبس الجديد بغير يوم العيد يدخر
ويجمع ثم ينفق ثم يضحك و هو يفتخر
بأن الله يرزق حين يرزق هكذا الدنيا
شتاء ثم صيف ليس في جيكور محتكر
و لا فيها مصارف أو جرائد ليل كوريا
يرى شفقا من النيرا
فالنيران فيها حين تستعر
تضيء لحى الشيوخ يحدثون و أعين النسوه
تحدق في الطعام و ترقب الأطفال في نشوة
أعدني يا إله الشرق و الصحراء و النخل
إلى أيامي الحلوة
إلى داري إلى غيلان ألثمه إلى أهلي

الخميس، مايو 24، 2012

إتبعيني



أتبعيني
فالضحى رانت به الذكرى على شط بعيد
حالم الأغوار بالنجم الوحيد
و شراع يتوارى و اتبعيني
همسة في الزرقة الوسنى و ظل
من جناح يضمحل
في بقايا ناعسات من سكون
في بقايا من سكون
في سكون !
**
هذه الأغوار يغشاها خيال
هذه الأغوار لا يسبرها إلا ملال
تعكس الأمواج في شبه انطفاء
لونه المهجور في الشط الكئيب
في صباح و مساء
و أساطير سكارى ... في دروب
في دروب أطفأ الماضي مدمها
و طواها
فاتبعيني .. إتبعيني
**
اتبعيني ... ها هي الشطآن يعلوها ذهول
ناصل الألوان كالحلم القديم
عادت الذكرى به ساج كأشباح نجوم
نسي الصبح سناها و الأفول
في سهاد ناعس بين جفون
في وجوم الشاطيء الخالي كعينيك انتظار
و ظلال تصبغ الريح و ليل و نهار
صفحة زرقاء تجلو في برود
و ابتسام غامض ظل الزمان
للفراغ المتعب البالي على الشط الوحيد
إتبعيني في غد يأتي سوانا عاشقان
في غد حتى و إن لم تتبعني
يعكس الموج على الشط الحزين
و الفراغ المتعب المخنوق أشباح السنين
**
أمس جاء الموعد الخاوي و راحا
يطرق الباب على الماضي على اليأس عليا
كنت وحدي أرقب الساعة تقتات الصباحا
و هي ترنو مثل عين القاتل القاسي إليا أمس في الأمس الذي لا تذكرينه
ضوأ الشطآن مصباح كئيب في سفينته
و اختفى في ظلمة الليل قليلا فقليلا
و تناءت في ارتخاء و توان
غمغمات مجهدات و أغاني
و تلاشت تتبع الضوء الضئيلا
أقبلي الآن ففي الأمس الذي لا تذكرينه
ضوأ الشطآن مصباح كئيب في سفينته
و اختفى في ظلمة الليل قليلا فقليلا

الأحد، مايو 20، 2012

الهديه


يقول المحبون ان الهدايا
طعام الهوى ذاك ما أسمع
واني لأهواك حتى لأقسو
بحبي وتدمي به الأضلع
وأهواك حتى اللقاء اشتياق
وحتى يضيق المدى الأوسع
فماذا سأهديك يوم اللقاء
وماذا سأهديك يوم النوى
أيرضيك ما يشتريه انحداري
الى حيث يأبى علي الهوى
فما المال الا دماء تباع
كعرض البغايا لدرء الطوى
سأصحو مع الفجر قبل الطيور
ولمسة كفيك في خاطري
ألم الندى حقول الربيع
وأشدو مع القبر الطائر
وأجمع من زهرها باقة
لعينك يا زهرة الشاعر
وهيهات هيهات ان الرياح
يذرين أزهاري الذابله
ويبقين في مقلتيك انكسارا
كمن يتبع الأنجم الآفله
سأهديك أغنية كنسيم
المدينة يستقبل القافله
وماذا أغنيك والحشرجات
وعصف اللظى كل ما اسمع
كأن البرايا دم في عروقي
تصدى له الخنجر المشرع
فيا قبضة من رماد الحريق
على سلم دكه المدفع
سأهديك من ساعدي الحياه
ومن قلبي الضحكة الصافية
سأهديك ما في عبوس السحاب
من النور للدوحة العاريه
سأهديك أن لا تكوني رمادا
على مدرج الزعزع العاتيه
سأهديك دنيا يرين السلام
عليها كحشد من الأنجم
تنامين فيها وتستيقظين
بلا ريبة في الغد المبهم
ولا خوف من أن يعز الرغيف
وأن تستباحي وأن تهرمي

الخميس، مايو 17، 2012

لن نفترق !


هبت تغمغم : سوف نفترق
روح على شفتيك تحترق
صوت كأن ضرام صاعقة
ينداح فيه … وقلبي الأفق
ضاق الفضاء وغام في بصري
ضوء النجوم وحطم الألق
فعلى جفوني الشاحبات وفي
دمعي شظايا منه أو مزق
فيم الفراق ؟ أليس يجمعنا
حب نظل عليه نعتنق ؟
حب ترقرق في الوعود سنا
منه ورف على الخطى عبق
*
أختاه، صمتك ملؤه الريب ؟
فيما الفراق ؟ أما له سبب ؟
الحزن في عينيك مرتجف
واليأس في شفتيك يضطرب
ويداك باردتان : مثل غدي
وعلى جبينك خاطر شجب
ما زال سرك لا تجنحه
آه مؤججة : ولا يثب
حتى ضجرت به وأسأمه
طول الثواء وآده التعب
إني أخاف عليك واختلجت
شفة إلى القبلات تلتهب
*
ثم إنثنيت مهيضة الجلد
تتنهدين وتعصرين يدي
وترددين وأنت ذاهلة
إني أخاف عليك حزن غد
فتكاد نتتثرالنجوم أسى
في جوهن كذائب البرد
لا تتركي لا تتركي لغدي
تعكير يومي ما يكون غدي
وإذا ابتسمت اليوم من فرح
فلتعبسن ملامح الأبد
ما كان عمري قبل موعدنا
إلا السنين تدب في جسد
*
أختاه لذّ على الهوى ألمي
فاستمتعي بهواك وابتسمي
هاتي اللهيب فلست أرهبه
ما كان حبك أول الحمم
ما زلت محترقا تلقفني
نار من الأوهام كالظلم
سوداء لا نور يضيء بها
كرقاد حمى دونما حلم
هاتي لهيبك إن فيه سناً
يهدي خطاي ولو إلى العدم
هي ومضة ألقى الوجود بها
جذلان يرقص عاري القدم

الأحد، مايو 06، 2012

وداع



أريقي على ساعدي الدموع
و شدي على صدري المتعب
فهيهات ألا أجوب الظلام
بعيدا إلى ذلك الغيهب
فلا تهمسي.. غاب نجم السماء
ففي الليل أكثر من كوكب
**
وهل كان حلم بغير انتهاء
و هل كان لحن بلا آخر؟
لكي تحسبي أن هذا الغرام
أبيد الرؤى ... خالد الحاضر
و أنا سنبقى نعد السنين
مواعيد في ظله الدائر؟
**
على مقلتيك ارتماء عميق
و ذكرى مساء تقول ارجع!
نداء بعيد الصدى كالنجوم
يراها حبيبان في مخدع !
يكاد اشتياقي يهز الحجاب
و تومي ذراعي : هيا معي!!
**
سأمضي ... فلا تحلمي بالإياب
على وقع اقدامي النائية
و لا تتبعيني إذا ما التفت
ورائي إلى الشمعة الخابية
يرنحها في يديك النحيب
فتهتز من خلفك الرابية
**
ستنسين هذا الجبين الحزين
كما انحلت الغيمة الشاردة
و غابت كحلم وراء التلال
بعيداً.. سوى قطرة جامدة
ستنثرها الريح عما قليل
و تشربها التربة الباردة
**
ورب اكتئاب يسيل الغروب
على صمته الشاحب الساهم
وأغنية في سكون الطريق
تلاشت على هدأة العالم
أثارا صدى تهمس الذكريات
إذا ماانتهى همسة الحالم
**
غداً.. حين يبلى وراء الزجاج
كتا عليه اسمي الذابل
و تنفض كفاك عنه الغبار
و يخلو بك المخدع القاحل
سيلقاك و جهي خلال السطور
كما يسطع الكوكب الآفل
**
إذا ما قرأن اللقاء الاخير
تمنيت, في غفلة هاربة ,
لو استرجعت قبضتاك السنين
لو استرجعت ليلة ذاهبة!
و لكن شيئاً حواه الجدار
تحدى أمانيك الكاذبة
**
تلفت عن غير قصد هناك
فأبصرت.. بالانتحار الخيال!
حروفا من النار..ماذا تقول؟
لقد مر ركب السنين الثقال
و قد باح تقويمهن الحزين
بأن اللقاء المرجى..محال!!

الخميس، مايو 03، 2012

رئة تتمزق


الداء يثلج راحتي، ويطفيء الغد ... في خيالي

ويشل أنفاسي ويطلقها كأنفاس الذبال

تهتز في رئتين يرقص فيهما شبح الزوال

مشدودتين إلى ظلام القبر بالدّم والسعال ..

**

واحسرتا ؟! كذا أموت ؟ كما يجف ندى الصباح ؟

ما كاد يلمع بين أفواف الزنابق والأقاحي

فتضوع أنفاس الربيع تهزّ أفياء الدوالي

حتى تلاشى في الهواء كأنه خفق الجناح !

**

كم ليلة ناديت باسمك أيها الموت الرهيب

وودت لو طلع الشروق علي إن مال الغروب

بالأمس كنت أرى دجاك أحب من خفقات آل

راقصن آمال الظماء ... فبلها الدم واللهيب !

**

بالأمس كنت أصيح : خذني في الظلام إلى ذراعك

وأعبر بي الأحقاب يطويهن ظل من شراعك

خذني إلى كهف تهوم حوله ريح الشمال ..

نام الزمان على الزمان به وذابا في شعاعك

**

كان الهوى وهما يعذبني الحنين إلى لقائه

ساءلت عنه الأمنيات وبت أحلم بارتمائه

زهراَ ونوراَ في فراغ من شكاة وابتهال ..

في ظلمة بين الأضالع تشرئب إلى ضيائه

**

واليوم حببت الحياة إلي وابتسم الزمان

في ثغرها وطفا على أهدابها الغد والحنان

سمراء تلتفت النخيل المساهمات إلى الرمال

في لونها وتفر ورقاء ويأرج أقحوان

**

شع الهوى في ناظريها فاحتواني واحتواها

وارتاح صدري وهو يخفق باللحون على شذاها

فغفوت استرق الرؤى والشاعرية من رؤاها

وأغيب في الدفء المعطر كالغمامة في نداها

**

عينان سوداوات أصفى من؟ أماسي اللقاء

وأحب من نجم الصباح إلى المراعي والرعاء

تتلألأن عن الرجاء كليلة تخفي دجاها

فجراَ يلون بالندى درب الربيع وبالضياء

**

سمراء يا نجما تألق في مسائي أبغضيني

واقسي علي ولا ترقى للشكاة وعذبيني

خلي احتقارًا في العيون وقطبي تلك الشفاها

فالداء في صدري تحفز لافتراسك في عيوني !

**

يا موت يارب المخاوف والدياميس الضريرة

اليوم تأتي ؟! من دعاك ؟ ومن أرادك أن تزوره ؟

أنا ما دعوتك أيها القاسي فتحرمني هواها

دعني أعيش على ابتسامتها وان كانت قصيرة

**

لا ! سوف أحيى سوف أشقى سوف تمهلني طويلا

لن تطفئ المصباح لكن سوف تحرقه فتيلا

في ليلة في ليلتين سيلتقي آها فآها

حتى يفيض سني النهار فيغرق النور الضئيلا !!

**

يا للنهاية حين تسدل هذه الرئة الأكيل

بين السعال على الدماء فيختم الفصل الطويل

والحفرة السوداء تفغر بانطفاء النور فاها

إني أخاف أخاف من شبح تخبئه الفصول !!

**

وغدا إذا ارتجف الشتاء على ابتسامات الربيع

وانحل كالظل الهزيل وذاب كاللحن السريع

وتفتحت بين السنابل وهي تحلم بالقطيع

والناي زنبقة مددت يدي إليها في خشوع

**

وهويت أنشقها فتصعد كلما صعد العبير

من صدري المهدوم حشرجة فتحترق العطور

تحت الشفاه الراعشات ويطفأ الحقل النضير

شيئا فشيئا .. في عيوني ثم ينفلت الأسير !!