بدر شاكر السياب

بدر شاكر السياب
جدتي لـ من أبث بعدك شكواي؟ طواني الأسى وقل معيني أنت يا من فتحت قلبك بالأمس لحبي أوصدت قبرك دوني فقليل على أن اذرف الدمع ويقضى على طول أنيني

الخميس، مايو 17، 2012

لن نفترق !


هبت تغمغم : سوف نفترق
روح على شفتيك تحترق
صوت كأن ضرام صاعقة
ينداح فيه … وقلبي الأفق
ضاق الفضاء وغام في بصري
ضوء النجوم وحطم الألق
فعلى جفوني الشاحبات وفي
دمعي شظايا منه أو مزق
فيم الفراق ؟ أليس يجمعنا
حب نظل عليه نعتنق ؟
حب ترقرق في الوعود سنا
منه ورف على الخطى عبق
*
أختاه، صمتك ملؤه الريب ؟
فيما الفراق ؟ أما له سبب ؟
الحزن في عينيك مرتجف
واليأس في شفتيك يضطرب
ويداك باردتان : مثل غدي
وعلى جبينك خاطر شجب
ما زال سرك لا تجنحه
آه مؤججة : ولا يثب
حتى ضجرت به وأسأمه
طول الثواء وآده التعب
إني أخاف عليك واختلجت
شفة إلى القبلات تلتهب
*
ثم إنثنيت مهيضة الجلد
تتنهدين وتعصرين يدي
وترددين وأنت ذاهلة
إني أخاف عليك حزن غد
فتكاد نتتثرالنجوم أسى
في جوهن كذائب البرد
لا تتركي لا تتركي لغدي
تعكير يومي ما يكون غدي
وإذا ابتسمت اليوم من فرح
فلتعبسن ملامح الأبد
ما كان عمري قبل موعدنا
إلا السنين تدب في جسد
*
أختاه لذّ على الهوى ألمي
فاستمتعي بهواك وابتسمي
هاتي اللهيب فلست أرهبه
ما كان حبك أول الحمم
ما زلت محترقا تلقفني
نار من الأوهام كالظلم
سوداء لا نور يضيء بها
كرقاد حمى دونما حلم
هاتي لهيبك إن فيه سناً
يهدي خطاي ولو إلى العدم
هي ومضة ألقى الوجود بها
جذلان يرقص عاري القدم

الأحد، مايو 06، 2012

وداع



أريقي على ساعدي الدموع
و شدي على صدري المتعب
فهيهات ألا أجوب الظلام
بعيدا إلى ذلك الغيهب
فلا تهمسي.. غاب نجم السماء
ففي الليل أكثر من كوكب
**
وهل كان حلم بغير انتهاء
و هل كان لحن بلا آخر؟
لكي تحسبي أن هذا الغرام
أبيد الرؤى ... خالد الحاضر
و أنا سنبقى نعد السنين
مواعيد في ظله الدائر؟
**
على مقلتيك ارتماء عميق
و ذكرى مساء تقول ارجع!
نداء بعيد الصدى كالنجوم
يراها حبيبان في مخدع !
يكاد اشتياقي يهز الحجاب
و تومي ذراعي : هيا معي!!
**
سأمضي ... فلا تحلمي بالإياب
على وقع اقدامي النائية
و لا تتبعيني إذا ما التفت
ورائي إلى الشمعة الخابية
يرنحها في يديك النحيب
فتهتز من خلفك الرابية
**
ستنسين هذا الجبين الحزين
كما انحلت الغيمة الشاردة
و غابت كحلم وراء التلال
بعيداً.. سوى قطرة جامدة
ستنثرها الريح عما قليل
و تشربها التربة الباردة
**
ورب اكتئاب يسيل الغروب
على صمته الشاحب الساهم
وأغنية في سكون الطريق
تلاشت على هدأة العالم
أثارا صدى تهمس الذكريات
إذا ماانتهى همسة الحالم
**
غداً.. حين يبلى وراء الزجاج
كتا عليه اسمي الذابل
و تنفض كفاك عنه الغبار
و يخلو بك المخدع القاحل
سيلقاك و جهي خلال السطور
كما يسطع الكوكب الآفل
**
إذا ما قرأن اللقاء الاخير
تمنيت, في غفلة هاربة ,
لو استرجعت قبضتاك السنين
لو استرجعت ليلة ذاهبة!
و لكن شيئاً حواه الجدار
تحدى أمانيك الكاذبة
**
تلفت عن غير قصد هناك
فأبصرت.. بالانتحار الخيال!
حروفا من النار..ماذا تقول؟
لقد مر ركب السنين الثقال
و قد باح تقويمهن الحزين
بأن اللقاء المرجى..محال!!

الخميس، مايو 03، 2012

رئة تتمزق


الداء يثلج راحتي، ويطفيء الغد ... في خيالي

ويشل أنفاسي ويطلقها كأنفاس الذبال

تهتز في رئتين يرقص فيهما شبح الزوال

مشدودتين إلى ظلام القبر بالدّم والسعال ..

**

واحسرتا ؟! كذا أموت ؟ كما يجف ندى الصباح ؟

ما كاد يلمع بين أفواف الزنابق والأقاحي

فتضوع أنفاس الربيع تهزّ أفياء الدوالي

حتى تلاشى في الهواء كأنه خفق الجناح !

**

كم ليلة ناديت باسمك أيها الموت الرهيب

وودت لو طلع الشروق علي إن مال الغروب

بالأمس كنت أرى دجاك أحب من خفقات آل

راقصن آمال الظماء ... فبلها الدم واللهيب !

**

بالأمس كنت أصيح : خذني في الظلام إلى ذراعك

وأعبر بي الأحقاب يطويهن ظل من شراعك

خذني إلى كهف تهوم حوله ريح الشمال ..

نام الزمان على الزمان به وذابا في شعاعك

**

كان الهوى وهما يعذبني الحنين إلى لقائه

ساءلت عنه الأمنيات وبت أحلم بارتمائه

زهراَ ونوراَ في فراغ من شكاة وابتهال ..

في ظلمة بين الأضالع تشرئب إلى ضيائه

**

واليوم حببت الحياة إلي وابتسم الزمان

في ثغرها وطفا على أهدابها الغد والحنان

سمراء تلتفت النخيل المساهمات إلى الرمال

في لونها وتفر ورقاء ويأرج أقحوان

**

شع الهوى في ناظريها فاحتواني واحتواها

وارتاح صدري وهو يخفق باللحون على شذاها

فغفوت استرق الرؤى والشاعرية من رؤاها

وأغيب في الدفء المعطر كالغمامة في نداها

**

عينان سوداوات أصفى من؟ أماسي اللقاء

وأحب من نجم الصباح إلى المراعي والرعاء

تتلألأن عن الرجاء كليلة تخفي دجاها

فجراَ يلون بالندى درب الربيع وبالضياء

**

سمراء يا نجما تألق في مسائي أبغضيني

واقسي علي ولا ترقى للشكاة وعذبيني

خلي احتقارًا في العيون وقطبي تلك الشفاها

فالداء في صدري تحفز لافتراسك في عيوني !

**

يا موت يارب المخاوف والدياميس الضريرة

اليوم تأتي ؟! من دعاك ؟ ومن أرادك أن تزوره ؟

أنا ما دعوتك أيها القاسي فتحرمني هواها

دعني أعيش على ابتسامتها وان كانت قصيرة

**

لا ! سوف أحيى سوف أشقى سوف تمهلني طويلا

لن تطفئ المصباح لكن سوف تحرقه فتيلا

في ليلة في ليلتين سيلتقي آها فآها

حتى يفيض سني النهار فيغرق النور الضئيلا !!

**

يا للنهاية حين تسدل هذه الرئة الأكيل

بين السعال على الدماء فيختم الفصل الطويل

والحفرة السوداء تفغر بانطفاء النور فاها

إني أخاف أخاف من شبح تخبئه الفصول !!

**

وغدا إذا ارتجف الشتاء على ابتسامات الربيع

وانحل كالظل الهزيل وذاب كاللحن السريع

وتفتحت بين السنابل وهي تحلم بالقطيع

والناي زنبقة مددت يدي إليها في خشوع

**

وهويت أنشقها فتصعد كلما صعد العبير

من صدري المهدوم حشرجة فتحترق العطور

تحت الشفاه الراعشات ويطفأ الحقل النضير

شيئا فشيئا .. في عيوني ثم ينفلت الأسير !!

الأحد، أبريل 29، 2012

سفر أيوب 10




يا غيمة في أوّل الصباح

تعربد الرياح

من حولها تنتف من خيوطها تطير

بها إلى سماوة تجوع للحرير

سينطوي الجناح

ستنتف الرياح ريشه مع الغروب

يا غيمة ما أمطرت تذوب

**

فأبرقي و أرعدي و أرسلي المطر

و مزقي ذوائب الشجر

و أغرقي السهوب

و أحرقي الثمر

سترجحنّ بعدك السنابل الثقال بالحبوب

و تقطف الورود و الأقاح

صبيّة يؤج في وجنتها الجنوب

و أنت ذرة من الدماء و الجراح

و أنت يا شاعر واديك أما تؤوب

من سفر يطول في البطاح

تراقص النّهر

و تلثم المطر

أما سمعت هاتف الرواح

خام وزنبيل من التراب

و آخر العمر ردى و يطلع القمر

فأبرق ارعد أرسل المطر

قصائد احتوى مداها دارة العمر

يا غيمة في أول الصباح

يا شاعرا يهم بالرواح

وودع القمر.

الأربعاء، أبريل 18، 2012

يا أبا الأحرار


هب في الفجر هبوب العاصفات
قدر حطم أبواب الطغاة
قدر من سدة الله سعى
يزرع الزيتون في الأرض الموات
يا لها من قبضة في حدها
يكمن الموت و أسباب الحياة
حررت أعناقها من نيرها
و أنارت في الليالي المظلمات
يا كريما ما رأينا مثله
من كريم يا نجي المكرمات
لم تلح لولاك في ذاك الدجى
شمسنا أو تهو أصنام البغاة
يا أبا الأحرار يا رافعها
رابة تزهو على شط الفرات
دم لشعب عاش من تموزه
في نعيم فوق أشلاء الطغاة

الثلاثاء، أبريل 03، 2012

سفر أيوب ( 9 )




بالعضل المفتول و السواعد المجدولة

هرقل صارع الردى في غارة المحجّب

بظلمة من طحلب

و قام تموز بجرح فاغر مخضّب

يصك ( موت ) صكّة محجّبا ذيوله

و خطوة الجليد بالشقيق و الزنابق
**

و انخطف الموت علي كانخطاف الباشق

على العصافير أحال ظهري

عمود ملح أو عمود جمر

أحرّك الأطراف لا تطيعني مشلولة

مات الدم الفوّار فيها أطفئ الشباب

و امتدّ نحو القبر درب باب

من خشب الصليب فالمسيح

مات و في الطوفان ضلّ نوح

و أغضيت نواظري الذليلة

لعلّها تعتاد من دجاها

على دجى غطاؤها الضريح
**

أي سلاح؟ آه أيّ ساعد؟

أيّة أزهار تمدّ فاها

لتأكل الموت؟ و أيّ ناصر مساعد؟

سللت من قصائدي

سيفا كأن البرق حدّاد رمى أصوله

وصبّ مقبضا له و شفرة

بالشّعر بالمبرق بالمجلجل المدوّي

رميت وجه يهوي نحوي

كأنه الستار في رواية هزيلة

رميت وجه الموت ألف مرّة

إذا أطلّ وجهه البغيض

كأنه السيرين يسعى جسمي المريض

نحو ذراعيه بلا تردد

فأنتضي من سيفي المجرد

و يقطر الشّعر و لا يغيض

لأنني مريض

أودّع الحياة أو أشدّ بالحياة

بخيطة الموروث عن أموات

لم يدفع الشّعر مناياهم وقد

جاءت إليهم غيلة.

الثلاثاء، مارس 20، 2012

سفرأيوب 8



ذكرتك يا لميعة و الدجى ثلج و أمطار

و لندن مات فيها الليل مات تنفس النور

رأيت شبيهة لك شعرها ظلم و أنهار

و عيناها كينبوعين في غاب من الحور

مريضا كانت تثقل كاهلي و الظّهر أحجار

أحن لريف جيكور

و أحلم بالعراق وراء باب سدّت الظلماء

بابا منه و البحر المزمجر قام كالسور

على دربي

و في قلبي

و ساوس مظلمات غابت الأشياء

وراء حجابهن وجف فيها منبع النور

ذكرت الطلعة السمراء

ذكرت يديك ترتجفان من فرق و من برد

تنز به صحارى للفراق تسوطها الأنواء

ذكرت شحوب وجهك حين زمر بوق سيّارة

ليؤذن بالوداع ذكرت لذع الدمع في خدّي

ورعشة خافقي و أنين روحي يملأ الحارة

بأصداء المقابر و الدجى ثلج و أمطار .